الخميس، 16 مايو، 2013

شاهد : كلمات نقتل بها أولادنا


كثيراً ما نؤذي أولادنا من دون قصد منّا وكثيراً ما نحطّم نفسيتهم ونحن نبتسم وكأن العالم بألف خير، غافلين عن أن عالمهم هم قد تحطم في اللحظة التي تفوهنا بها بكلمة او بعبارة معينة.

عبارات كثيرة نستخدمها عندما نتوجه اليهم، فتترك ندوباً بالغة في شخصيتهم وفي ثقتهم بأنفسهم، ومن ثم نتساءل بعد سنوات من أين جاؤوا بهذه الطباع وعمّن ورثوها. والواقع أننا توارثنا طريقة التربية هذه او تلك عن أهلنا وأجدادنا وغالباً ما نكرر مع أولادنا الأخطاء التي ارتكبها أهلنا معنا.

الكلام المبطّن مثلاً هو من الطرق الأكثر اعتماداً في تربية الأطفال. يطلب الراشدون من أولادهم قول الحقيقة ولكنهم لا يترددون في استخدام الكذب ليفرضوا الطاعة على أولادهم: ” إن لم تسمع الكلمة سيأتي “أبو كيس”، ويخطفك”، “إن لم تنهِ دروسك فلن تحصل على هدية”…، نبدأ بتهديدات لا أساس لها وننتهي بفقدان مصداقيتنا في عيون أولادنا.

يكتشف الطفل شخصيته وهويته من خلال الملاحظات التي يوجهها له والداه ويضطر للتعايش مع الصورة التي يكوّنانها عنه، فينتهي به الأمر غالباً بعيش حياة لا تخصه. لقد تعرّضنا جميعنا مثلاً في الصغر الى كلمات قاسية مثل: “أنت غير نافع”، “لقد رفضت العديد من الوظائف لأعتني بك وأربيك”، وعبارات أشدّ قسوة بعد… والتقاط الولد لهذه الرسائل قد يولّد لديه شعوراً بالذنب يقوده الى التقيّد بمثال الوالد أو الوالدة، حتى وإن اضطر الى الابتعاد عن حقيقته العميقة ليحقق ذلك.

ولو أردنا أن نستفيض في التكلم عن وقع كلام الأهل على أولادهم، لاستطعنا كتابة أطروحات واعطاء أمثلة كثيرة، الا أننا سنكتفي باستعراض بعضها:



كم من والدة تقول مثلاً لابنها في النهار الواحد “كفى، ضاق خلقي منك”؟ الواقع أن الأم التي تقول هذه العبارة تجد صعوبة في تقبّل طفلها واعتباره ابنها. هو طفل فُرض عليها بالصدفة أو نتيجة ظروف خارجة عن إرادتها، أو ربما شعرت أنها أصغر سناً من أن تتحمل مسؤوليته. والولد الذي يضيق خلق والديه منه يشعر بهذا الرفض فهو يظهر في طريقتهما في التحدث اليه وفي نبرتهما، وما أبرع الأولاد في استشفاف النبرات! وإن هذا الرفض بالذات هو الذي يجعله يزعج والديه لدرجة أن يضيق خلقهما، فتُسدّ الطريق أمام أي إمكانية حوار بينه وبين والديه.



وكم من أب يقول لابنته: ” كفّي عن تناول السكاكر، ستصبحين بدينة مثل أمك”؟ وما عساها الإبنة تفهم هنا غير احتقار أبيها لأمها، فهو يبدو لها وكأنه يلوم نفسه على زواجه من تلك المرأة، والمعنى الضمني هو “إن أردت أن أحبك فلا تصبحي نسخة عن والدتك القبيحة”. فتتحول هذه العبارة بالنسبة الى تلك الفتاة أشبه بلعنة لأنها اذا أصبحت شبيهة والدتها فقدت حبّ والدها وهذا التلاعب الذي يمارسه الوالد قاسٍ وشرير. إنه يهدّد ابنته بالنبذ والابعاد إن حدث وأصبحت مثل والدتها، مع سكاكر او من دونها، لا سيما وان الوالد هو الرجل المثالي بالنسبة الى ابنته، ويشكّل تلقائياً مثال الرجال الذين قد تقع في حبّهم في المستقبل. فيا له من ابتزاز بارع!



وكم من مرة، لا بل من مرات، نقول لابننا “أنظر في عينيّ عندما أتكلّم معك”؟ قد تبدو هذه العبارة بريئة من الخارج لكنها قاتلة بالنسبة للطفل الذي يتلقاها. الأطفال لا يحبون الغرباء الذين ينظرون في أعينهم لأن ذلك يخيفهم. العينان الجاحظتان المفتوحتان على مداهما أو النظرة القاسية أمور شبيهة بالتنويم المغنطيسي تشلّ الأطفال وتخيفهم، وليس أمام الطفل سوى وسيلة واحدة لحماية نفسه، ألا وهي إشاحة نظره والنظر في الفراغ متمنياً لو تنشق الأرض وتبتلعه.

إذا أجبرتم الطفل على النظر في عينيكم عندما تؤنبونه فإن حدقتيه تضيقان تلقائياً، فيضع بالتالي حاجزاً بينكم وبينه. واذا مارستم هذه اللعبة أكثر مما ينبغي فسيبني جداراً شاهقاً لا يمكن تجاوزه ليحمي نفسه منكم، فتخسرونه في النهاية. فالأولاد يكرهون الراشدين الذين يحاولون إخضاعهم بهذه الطريقة.



ليست الكلمات اذاً مجرد خواء، وما يدخل الأذن لا يخرج أبداً من الأذن الأخرى لأن بين الأذنين دماغاً يفكر وآخر يحسّ. لذا فليدرس كل منا كلماته قبل التفوه بها لأن وقع الكلمة أكثر إيلاماً من الصفع أحياناً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق